01.15.08
الاستقرار السياسي
يعتبر علم السياسة أحد فروع العلوم الاجتماعية ، ونظرا لأهمية علم السياسة ودور الاستقرار السياسي في تقدم وتطور الشعوب ، ونظرا لدور الدولة بمفهومها الحديث واختصاصات الحكومات ودورها في تسيير وضبط المجتمع ، والأهمية البالغة للاقتصاد في حياة الفرد ، لذلك كانت السياسة أهم علم من العلوم الاجتماعية .وتضم العلوم السياسية تخصصات مختلفة تتناول هذا العلم من زوايا متعددة ، فهناك النظرية السياسية والفلسفة السياسية ، و علم السياسة المقارن . . . . الخ .
وتعتبر الولايات المتحدة رائدة هذا المجال فمنذ نهاية القرن التاسع عشر دأبت الولايات المتحدة إلى تعزيز وتطوير هذا العلم ، وأنشئت الجامعات والمعاهد المتخصصة .وإذا ما عدنا إلى مفهوم السياسة فنجد أنها تعني في اللغة ( ساس يسوس أي يتصرف إلى معالجة الأمور) وأما تعريفها كعلم فمختلف من مدرسة لأخرى ومن عالم لآخر ففي الموسوعة العربية العالمية نجد أن السياسة هي ( الإجراءات والطرق المؤدية لاتخاذ قرارات من أجل المجموعات والمجتمعات البشرية .
كما تعرف السياسة أيضا بـ ( رعاية شؤون الامة داخليا وخارجيا من قبل الدولة والامة ، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية ، والأمة التي تحاسب الدولة بها )( 1 ) .بعد تناولنا لتعريف السياسة ، ندرك أنها الأساس في إدارة شؤون المجتمع والدولة ، ولتستطيع دولة أو مجتمع ما التقدم والتطور الاجتماعي والاقتصادي لا بد أن تكون مستقرة سياسيا .
فالاستقرار السياسي كما يصفه محمد محفوظ في مقاله ( في معنى الاستقرار السياسي )( 2 ) ليس وليد القوة العسكرية والأمنية ، وإنما هو وليد تدابير سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية .فالنظام السياسي المتبع في الدولة يحدد مدى الاستقرار السياسي في هذه الدولة من عدمه ، وسنتخذ من التدابير التي ذكرها الباحث محمد محفوظ منطلقا لدراسة عوامل الاستقرار .
التدابير السياسية : – إن الأنظمة الديمقراطية الحقيقية والتي لا تتخلل عملياتها الانتخابية التزوير والتلاعب بالنتائج من قبل النخب الحاكمة ، والديمقراطية التي تحفظ للإنسان حقوقه الأساسية المدنية والسياسية ، وليست تلك التي تقمع وتستبد بالشعوب وهي تدعي الديمقراطية .
و إمكانية تداول السلطة بشكل سلمي ، وعبر صناديق الاقتراع يساهم في نبذ العنف السياسي والتقليل من مخاطره للحد الأدنى .ولكن تحقيق نظام مماثل في دول العالم الثالث بشكل عام وأفريقيا بشكل خاص يواجه تحديات كبيرة وكثيرة وعلى رأسها غياب الإرادة السياسية لدى القادة الأفارقة فيما يختص بالاستقرار السياسي الفعلي فالهم الأكبر والمشكل الأساس لدى القادة الأفارقة هو استقرار النظام أطول فترة ممكنة ولو كان ذلك على حساب شعوبهم واقتصاد دولهم .
فإذا نظرنا لوضع القارة الأفريقية وأنظمتها الحاكمة سنجدها بعيدة كل البعد عن الحكم الديمقراطي العادل ، فالأنظمة التي تدعي الديمقراطية في أفريقيا تمارس القمع بشتى صنوفه وأشكاله ، وعمليات تزوير الانتخابات لا تحتاج إلى خبراء لكشفها ، والفساد مستشري في تلك الدول لغياب المسائلة القانونية الرادعة ، المحسوبية متفشية داخل المؤسسة القضائية في معظم تلك البلدان .إلا أن بعض الدول الأفريقية تتمتع بالاستقرار السياسي نظريا بينما هي مهددة بزوال هذا الاستقرار في أي لحظة نظرا لأنظمتها الدكتاتورية التي تعتمد على المؤسسات الأمنية والجيش في حفظ هذا الاستقرار.
وهذا الأمر يقودنا إلى التساؤل حول دور الجيش في الدولة وما تأثيره على الاستقرار السياسي ؟الجيش : –
هو المؤسسة العسكرية المسئولة عن الدفاع وحماية الدولة والدستور والشعب .ولكن ما دور هذه المؤسسة في حفظ استقرار الدولة سياسيا وكيف يكون الجيش مصدر تهديد للاستقرار السياسي ؟
إن دور الجيش كما ذكرنا سابقا هو ( الدفاع عن الدستور والدولة والشعب ) ، فالمؤسسة العسكرية الوطنية اذا ما التزمت الحياد سياسيا وأدت الدور المنوط بها ، جعلت البلد مستقرا وهادئا وقابلا للتقدم والنمو والتطور ، فغياب حالات الانقلاب العسكري او تمرد الجيش وتدخل الجيش لمنع الحالات المشابهة يخفف كثير من متطلبات تحقيق الاستقرار السياسي ويجعله ( أي الاستقرار السياسي ) أمر يمكن تحقيقه في فترة زمنية وجيزة .إلا أن العالم الثالث وأفريقيا بشكل خاص وفي ظل غياب المؤسسات الوطنية وغياب إرادة القادة في تمكين النظام الديمقراطي ، جعلت من الجيش مؤسسة عسكرية لحماية الأنظمة وضمان استمراريتها ، مما أدى إلى تأرجح حالة الاستقرار السياسي وفقا لأوضاع الجيش وقادته ومدى وحدتهم حول التوجهات السياسية .
وأعجبني قول وزير الدفاع العراقي في مقاله ( دور الجيش وموقعه في البناء الديمقراطي ) وهو يصف حالة الجيوش في العالم الثالث ( …. إن الجيش أصبح جزءا من الحاكم قبل أن يكون جزءا من الدولة …. وتحول مفهوم الأمن القومي إلى مفهوم أمن السلطة ……. وتحول الجيش إلى أداة قمع للشعب وليس لحماية الشعب من العدوان ….. ) ( 3 ) . إن حياد الجيش وحمايته للدستور والدولة وليس حكمهما هو الضمانة الأولى للمحافظة على الاستقرار السياسي للبلد .
التدابير الاجتماعية ( الأمن الاجتماعي ) : – ونقصد بالأمن الاجتماعي ما ذكرته الباحثة خديجة عرفة ( 4 ) في مقالها ( تحولات مفهوم الأمن ..الإنسان أولا ) حول أن مفهوم الأمن الإنساني هو تركيز الأمن للفرد وليس الدولة وأي سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف الأساسي منها هو تحقيق أمن الفرد بجانب الدولة ، إذ قد تكون الدولة مصدرا من مصادر تهديد أمن مواطنيها .
إذا على المواطن أن يشعر بالطمأنينة والتحرر من الخوف المزمن تجاه الدولة ليتخطى مرحلة التفكير في سلامته الشخصية ومن ثم ينتقل إلى التفكير الإيجابي الهادف إلى التقدم والتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، فالأمن كما يعرفه البروفسور باري بوزان وهو أحد المفكرين المتخصصين بالدراسات الأمنية هو ( العمل على التحرر من التهديد ) ، ومن شان تحرر المواطنين من التهديد المباشر وغير المباشر من قبل الدولة دفعهم إلى الولاء الحقيقي للدولة الذي ينتج عنه الإرادة الإنسانية للبناء والتطوير .التدابير الاقتصادية : –
إن دور الاقتصاد مهم للغاية في عملية تحقيق الاستقرار السياسي ، فتحقيق النمو الاقتصادي الملموس يساهم في الحد من الفقر والبطالة والتضخم ، ومن شأن ذلك دون شك المساهمة الفاعلة في تحقيق الاستقرار السياسي ، حيث أن تدني وتراجع الاقتصاد الوطني وارتفاع معدلات البطالة والفراغ لدى شريحة اجتماعية كبيرة يؤدي طرديا إلى زيادة معدلات الجريمة ، ومن ثم الاستياء العام الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي ويزعزع الاستقرار السياسي للدولة .التدابير الثقافية : –
إن التدابير الثقافية تأخذ جانبين مهمين يجب مراعاتهما من قبل الدولة وعدم إهمال أحدهما على حساب الآخر : -أولا : العناية بالتراث والأعراف والتقاليد الوطنية وتشجيعها ودعمها لخلق روح التآلف والالتفاف حول قضايا مشتركة لدى المواطنين وتنمية الشعور بالانتماء لمجموعة اجتماعية واحدة ومترابطة .
ثانيا : إعداد المناهج الدراسية الوطنية المدروسة بعناية فائقة ، ونشر تقافة السلام والتسامح والإخاء واحترام الرأي واحترام الآخر واحترام الاختلاف ، وتربية النشء تربية وطنية صحيحة تأصل في قلوبهم حبهم لأوطانهم ، ودعم البرامج والماركز التربوية ، وضمان التحصيل العلمي والمعرفي للوصول بالجيل الصاعد الى مستوى من الوعي الحضاري والثقافي الذي ينبذ العنف والتشتت ذاتيا .علينا أن ندرك إذاً أن الامن القومي الشامل والذي يؤدي بدوره إلى الاستقرار السياسي ، المؤدي حتما إلى التطور والتقدم وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي ، هو الهدف الأساس من كل السياسات الأمنية في الدولة ، وعلى الدولة جعل هذا الهدف نصب عينيها وتسعى لتحقيقه يشتى الوسائل .
وعلى القادة و الشعوب وخاصة الأفريقية ، أن تتحمل مسؤوليتها وتتحلى بالإرادة الوطنية لتحقيق الديمقراطية في بلدانهم واحترام الدساتير ، وعلى الجيوش حماية الدستور والشعوب من النخب الطامعة في السلطة التي تهوي ببلدانهم إلى الحضيض ، إنها مسئولية مشتركة ولن تكتمل الأدوار إلا بتحمل كل طرف لمسئولياته بشكل كامل . ( 1 ) موقع الخلافة .
( 2 ) جريدة الرياض العدد 13819 الثلاثاء 27 ربيع الأول 1427هـ الموافق 25 أبريل 2006م .
( 3 ) جريدة الشرق الاوسط الأحد 08 شوال 1425هـ 21 نوفمبر 2004م العدد 9490 .
( 4 ) باحثة بمركز الدراسات الآسيوية ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية __ جامعة القاهرة .( من موقع اسلام أون لاين ) .