01.25.08
الموروث الثقافي السوداني- تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الاقليمي
الموروث الثقافي السوداني
تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الإقليمي
د. يوسف مختار الأمين
كلية الآداب- جامعة الملك سعود- الرياض
مقدمة:
يمر السودان منذ إعلان الدولة الوطنية الحديثة في 1956 باضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية تتصاعد وتيرتها مع تعقيدات الأوضاع الداخلية وارتباطاتها الإقليمية والعالمية. ويردُ المراقبين والباحثين في أوضاع السودان ذلك إلي عدة أسباب يلتقي معظمها في طبيعة المجتمع السوداني العرقية والثقافية وإمكاناته الاقتصادية.ولعل أبرز هذه الأسباب ما يمكن وصفه بالمأزق الثقافي التاريخي والظرف الموضعي الذي تكونت فيه الدولة .وهو وضع لم تتمكن النخب التي تعاقبت علي إدارة البلاد من النظر فيه من ثم مواجهته بفعالية.وزاد تعقيدا تعثر هذه النخب في انجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة تأسيس نظام للحكم متفق عليه ويلبي طموحات الغالبية من أهل البلاد. وفي ظل أوضاع التخلف وتدهور مرتكزات الاقتصاد المعيشي الطبيعي وارتفاع معدلات النمو السكاني تتوسع تلقائيا بؤر الصراع الإثني والجهوي والثقافي.
ويتجلي هذا الصراع في تبني مواقف سياسية، وثقافية مغايرة للسائد وفي مواجهة السلطة المركزية بحمل السلاح وذكاء حرب أهلية وصراعات قبلية تتفاقم أبعادها وآثارها يوما بعد يوم. فالحرب الأهلية في الجنوب ظلت مشتعلة منذ الاستقلال وحتى الآن ما عدا فترة توقف لمدة عشرة أعوام. وشهت البلاد مؤخرا صراعات وحروب في أقاليم السودان الأخرى في الشرق والغرب بين القبائل وبين بعضها والحكومة المركزية. إن استمرار هذه المواجهات قد أهدر موارد البلاد وعطل التنمية مما أدي إلي تفكك المجتمعات المحلية ونزوح الآلاف من السكان إلي غير أماكن تواجدهم الطبيعي، ويجمع المتابعون لمجريات الأمور أن استمرار هذه الأحوال بات يهدد الوحدة الوطنية ما لم يتم تدارك الأوضاع. ولا غرابة أن نجد اليوم أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة تصف السودان بالدولة المضطربة التي فشل قادتها ومثقفوها بصورة متكررة من مواجهة القضايا المعقدة التي أعاقت تطورها (Woodward: 1989؛ خالد: 1993)
.
تأمل هذه الورقة الاقتراب من قضايا الوحدة الوطنية ومعوقاتها المتمثلة في الصراعات الإثنية والثقافية وذلك من مدخل الموروث الثقافي. واقصد بالموروث الثقافي كل المنتج الثقافي المادي وغير المادي منذ أقدم العصور وحتى الوقت الراهن باعتبار انه المحيط الذي فيه تشكلت الهوية السودانية وفيه تتفاعل تحولاتها الدينامية. إن تناول قضية الوحدة الوطنية وعلاقات الانتماء الإقليمي يمكن تناولها من منطلقات مختلفة بمناهج وأطر نظرية متنوعة.
وما يهمني هنا، النظر في إمكانية تحليل الأوضاع الحالية انطلاقا من الموروث المادي الذي يشمل كل ما له صلة بالفعل الإنساني علي مر العصور. كما يشمل كل التراث الشعبي من حرف ومنتوجات محلية. إن دراسة الثقافة المادية ببعديها التاريخي والتراثي، من مهام الآثار الأولي كما سيأتي ذكره، إذ هي تشكل مصدرا أساسيا أن لم يكن وحيدا لمعرفة التاريخ الثقافي للأمم. وينطلق البحث أيضا من فكرة أهمية مراجعة التاريخ الثقافي السوداني (Culture History) منذ أقدم عصوره واستدعائه من أجل صوغ مفاهيم جديدة تشكل إطارا موضوعيا لاستيعاب تعقيدات القضايا الملحة الآن في السودان واقتراح حلول مناسبة لها.
فالموروث الثقافي المادي يمكن الاستفادة منه ايجابيا كما حدث في تجارب شعوب وبلدان أخري في تدعيم ركائز الوحدة الوطنية. ويتم ذلك بالبحث عن المشترك بين فئات المجتمع وإبراز ما يدعم مبادئ التسامح والسلم الاجتماعي خاصة في حالات التعدد الإثني والثقافي في البلد الواحد وقراءة التاريخ الثقافي في بلد كالسودان، بشكل متوازن تؤهله لإيجاد مناخات جيدة لتأسيس علاقات إقليمية أكثر ايجابية وفائدة كل الأطراف. لا تتوقف أهمية التراث المادي كما جاء في هذا السياق عند مرجعيتها وأهميتها التاريخية وإنما تمتد إلي كشف معالم الاستمرارية والتغير في الأنظمة الثقافية. فالتاريخ الثقافي المعروف في شمال البلاد ووسطها يتعاقب في حلقات متصلة منذ العصور الحجرية حتى العصر الإسلامي وذلك مع وجود فترات تحدث فيها تحولات حضارية عميقة تشمل معظم جوانب الحياة الفكرية ولامادية ولكنها بدرجات متفاوتة.
فعلي سبيل المثال عندما قامت الممالك المسيحية في أواخر القرن السادس الميلادي حلت الديانة وفكرها الجديد مكان إيديولوجية الدولة القديمة القائمة علي نظام الحكم العشائري والمعتقد البدائي. وانعكس التغيير أساسا في الفكر ونظام الحكم ولم يكن واضحا بنفس المستوى في الجانب المادي من حياة الناس. ومع انتشار الإسلام واللغة العربية فيما بعد لم تختف أيضا عناصر الثقافة المادية للوهلة الأولي بل احتفظت ببعض عناصرها القديمة (Adams 1977: 665-680). تنبه لمثل هذه النقطة كثيرون منهم من هو غير متخصص في حالات الدراسات الحضارية. فحليم اليازجي عند دراسته للحركة الأدبية في السودان خلال فترة تزيد عن ثلاثمائة عام يقول :”… فبان لنا مدى الترابط القائم بين هذا الأدب وواقعه البيئي وأحداث تاريخه وكثيرا ما كان انعكاسا مباشرا لهذا التاريخ وتلك البيئات… فالماضي السوداني بكل ما استوعبه من تجربة يقتحم ابواب الحاضر في تداخل عفوي أو مقصود” ويقول:”فالحضارات الموغلة في القدم، تحاور العقل السوداني المتطور الذي تغذي بلبان الثقافات الغربية الأكثر حداثة، وكذلك الثقافات العربية بنزعاتها الدينية والإصلاحية …” (اليازحي، 1985: 11-14)
وأخلص من ذلك بالقول أن الموروث المادي القديم والتراثي هو الأكثر قابلية ضمن مجالات أخري للبحث فيه عن المشترك بين فئات المجتمع في الماضي والحاضر ومن ثم تأويله لخدمة قضايا الهوية والوحدة الوطنية.
عودة إلي الماضي:
يتساءل كثيرون لماذا العودة للتاريخ الثقافي البعيد عند طرح قضايا وأزمات ملحة تهم المجتمعات المعاصرة؟ أليس ذلك انكفاءً واستغراقا في أمور غير مفيدة لمعالجة مشاكل الحاضر مثل الوحدة الوطنية والانتماء التي يبدو حلها كامنا في ميدان السياسية؟ لقد ألمحت آنفا إلي دور الموروث الثقافي في معرفة وتأصيل تكوين الأمم الأسس التي تحكم الكثير من علاقات الأنظمة الاجتماعية والفكرية فيها. وتحفل أدبيات علم الآثار والتاريخ بالشواهد العملية لاستغلال المعرفة التاريخية إيجابا أو سلبا في تأسيس الكيانات الوطنية وتقدمها أو في إضاعة حقوق تاريخية لمجموعات سكانية أو شعب بأكمله. ويتفق الجميع علي أن حاضر الأمم يقوم علي ماضيها بالرغم من صعوبة تحديد معالم ذلك الماضي البعيد أحيانا ومشروعيته في تشكيل الحاضر وبناء علاقته الداخلية والخارجية. ليس من الممكن في هذا الحيز أن نستعرض الأسس النظرية والتطبيقية المطلوبة في ذلك السياق وتطورها في علم الآثار أو الدراسات الانثروبولوجية. شهد علم الآثار مؤخرا تحولات مهمة في توجهاته النظرية المستخدمة في تأويل التراث المادي القديم.
وإذا كانت الأهداف تتغير من حين إلي آخر فان معرفة أو اكتشاف الأنظمة الثقافية القديمة وتطورها عبر الزمن ظل أحد الأهداف الرئيسة لذلك النشاط العلمي. ويهتم الآثاريون في عملهم الأكاديمي بالهويات الثقافية القديمة وتحديد معالمها مثل ما تجد دراستها رواجا في علوم أخرى غير الآثار وذلك تعبيرا عن تيار متصاعد في العلوم الإنسانية موجه نحو حقوق الأقليات وتأكيد التمايز والتعدد الإثني والثقافي في المجتمع الواحد. واليوم نجد البحوث الآثارية قد امتد ميدانها من المجتمعات القديمة إلي المجتمعات التقليدية والبدائية المعاصرة.( 1) الموجودة في أكثر من بلد ومن بينها السودان. ومثل هذه المجتمعات بقدر ما تعرضت له من تأثيرات حضارية حديثة ما زالت تحافظ علي تراثها وأنماط اقتصادها المعيشي المتمثل في الرعي والصيد والزراعة التقليدية. ويشمل التراث المادي أعمال النجارة والحدادة والفخار والأواني المنزلية وأدوات الزينة والملابس وأدوات الموسيقى الشعبية…الخ أن مثل هذه الحرف التقليدية لها تاريخ طويل وهي تملأ حيزا في المكون الثقافي للمجتمعات الحالية. وإذا افترضنا مثلا أن دخول العرب وانتشار الإسلام في السودان يمثل شبه قطيعة ثقافية في مجالات اللغة والدين والفكر فان ذلك لا يشمل كما أشرنا التراث المادي التقليدي بكامله الذي احتفظ بكثير من سماته القديمة التي ظلت مستمرة حتى اليوم (Elamin 1999: 1-3).
أن آثار الماضي البعيد والتراث المادي التقليدي ماثلة أمام الناس في شكل مباني وفنون وتحف تعرضها المتاحف المختلفة بطريقة تعكس أهداف الجهات التي أعدت تلك المتاحف. فالموروث الثقافي يقدم للناس علي انه ارثهم الحضاري الذي يقوم عليه حاضرهم ومستقبلهم. وبناء علي ذلك فكثير من الأعمال التي يقوم بها الآثاريون تنبع من موجهات فكرية أو وطنية تدعمها الدولة لبث مفاهيم وأفكار توظف في ترسيخ الأوضاع الراهنة. وليس بعيدا عن الأذهان الاستفادة من دراسة الموروث الثقافي من اجل أجندة سياسية هدفها تشكيل الحاضر وصياغته لصالح فئة أو فئات معينة في المجتمع بل أن دولا عدة اعتمدت في نشأتها علي استغلال الموروث الثقافي. ففي حالة إسرائيل علي سبيل المثال عمل الآثاريون علي إنتاج معرفة يعتقدون أنها تؤكد أحقية المستوطنين اليهود في أرض الميعاد وإحياء العصبية اليهودية ومن ثم إثبات مواصفات اليهودية الثقافية كما وردت في القصص التوراتي. وفي الدولة العبرية نجد أن المواقع الأثرية الكبيرة تمثل قوة رمزية لدي المستوطنين، ساعدت في توحيدهم خلال فترة التأسيس. وأصبحت هذه المواقع الأثرية وما تعنيه من موروث جزءا مهما في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفكري الإسرائيلي. وفي أفريقيا تظل قصة المباني الأثرية الرائعة لعاصمة زمبابوي القديمة خير مثال علي دعاوي المستوطنين الأوربيين في رفضهم نسبة تلك الحضارة العريقة للسكان المحليين وذلك اعتمادا علي تأويل الآثاريون الذين استقطبتهم سلطات الاحتلال الأوروبي. فقد روّجوا آنذاك إلي أنها تمثل انجازا معياريا لمجموعات وفدت من الخارج إلي أن نجح آثاريون منصفون، بعد مضي وقت، من إثبات أحقية قبائل البانتو الأفريقية في تأسيس المملكة التاريخية. وقد كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلي هزيمة الفكر الاستيطاني الذي قامت عليه دولة البيض المستعمرين.
ومن المعلوم انه عندما تحقق الاستقلال في تلك البلاد تقرر تغيير اسمها من روديسيا الشمالية إلي زمبابوي رمزا إلي تاريخ افريقي عريق يستعيده اصحابه مرة أخري دعما للهوية السياسية الجديدة (Trigger 1984: 355-370).
ولا نجد اليوم بلدا لم يستغل الموروث الثقافي فيه لاستلهام المستقبل وشحذ همم المواطنين. والمتاحف الأثرية علي اختلاف أنواعها في جميع اقطار العالم تعرض مواد الآثار والتراث للزائر بطريقة تعكس الصورة الرسمية لتاريخ الأمة. وليس غريبا أن يلاحظ المرء أحيانا عدم تمثيل تراث بعض الأقليات أو حتى جزءا من التاريخ العام يظن انه يخل بالأوضاع السائدة. فالماضي أو التاريخ مهما كان بعيدا يظل قابعا في الذاكرة الجمعية يخبو حينا ويتقد أحيانا أخري في لحظات الاستدعاء.
وهند مناقشته للهوية الوطنية المصرية اشار فكري حسن إلي رسوخ التراث العربي الإسلامي وما جاء من أوربا من مؤثرات في العصر الحديث في أذهان الناس مما يشكل ابتعادا واضحا عن الماضي القديم بيد أن الأخير يظل ورقة سياسية مهمة.
فالتاريخ الفرعوني كان مصدر قوة واعتزاز لدي المصريين خلال مقاومة الاحتلال الأجنبي ويجلي ذلك في خطب السياسيين وما كتبه مثقفو الطبقة الوسطى عن الهوية المصرية. وقد استدعي قادة ثورة 1919م هذا التاريخ ومجدوا ماضي الأمة كما كتب عدد من مشاهير الادباء اعمالا روائية مهمة تستمد رموزها من ذلك التاريخ العريق.
ولم يتراجع ذلك الاهتمام ال بعد التيار القومي الحديث في الخمسينات من القرن الماضي (Hassan 1998: 207).
واختم ملاحظاتي عن أهمية تأويل الموروث الثقافي نظريا واستغلاله في تعريف الهويات الثقافية التي تعبر عن نقطة الانطلاق في تكوين الشرعية التي تقوم عليها الأمة والسلطة التي تدير شؤونها. والاستعانة بالموروث الثقافي في تشكيل الحاضر يتوقف بالدرجة الأولي علي الايديولوجيا السائدة وعلي قدرة القوي الاجتماعية التي تتبناها. ومن هذه المقدمة اود الإشارة في ايجاز، إلي سيرة التاريخ الثقافي السوداني ومصادرة لنري مدي انعكاساته علي الواقع السوداني المعاصر.
نستمد معلوماتنا عن فترات العصور الحجرية والتاريخ القديم من الأعمال الأثرية التي بدات منذ مطلع القرن العشرين في شمال السودان بوتيرة بطيئة لتتصاعد بصورة مؤثرة عندما تقرر بناء السد العالي واجرى ما عرف بحملة انقاذ آثار النوية (1959-1965م) جاء إلي المنطقة في ذلك الوقت أكثر من اربعين بعثة علمية أجنبية تجري المسوحات وتنقب في المواقع الاثرية في كل شمال السودان وجنوب مصر. وكان نتائج اعمالها هو معظم أن لم نقل كل ما نعرفه تقريبا عن تاريخ السودان القديم والوسيط.
توسع النشاط الأثري بعد ذلك في منطقة الخرطوم ولكنه لم يشمل مناطق السودان الشاسعة الأخرى إلا في حالات قليلة مما سبب نقصا واضحا في المعلومات المطلوبة لصوغ التاريخ الحضاري للسودان بحدوده الحالية. و يجدر بالذكر أن التركيز علي شمال السودان اوجد “مركزية شمالية” أثرت في توجيه مسار البحث العلمي في هذا الحقل لم تبدأ مراجعتها إلا مؤخرا وبصورة جزئية (محمد علي، العباس، ويوسف الأمين 1992: 65-67) ومازالت مناطق واسعة في الغرب والشرق لم يستوعب تاريخها القديم والوسيط في مسيرة التاريخ السوداني بطريقة مقنعة. بل أن جنوب السودان لم يحظ إلا بحملة أثرية واحدة ولفترة محدودة (John Mach and Robertshaw 1982).
وأوضحت البحوث الآثارية وجود مواقع تعود لفترة العصر الحجري القديم عاشت خلالها مجموعات سكانية علي امتداد وادي النيل في السودان وفي الأقاليم الأخرى بعيدا عن نهر النيل. وكانت الأدوات الحجرية المكتشفة تعبر في مجملها عن وجود تقاليد ثقافة في تصنيع الأدوات الحجرية وأنماط الاقتصاد المعيشي البدائي وهي تمتاز بخصائص محلية كما تعكس صلات حضارية مع المناطق المجاورة في الوقت نفسه..
ويبدو من الصعب القول أن كل أراضي السودان الحالي كانت تمثل في ذلك الزمن وحدة حضارية تربط بين أقاليمه. وربما نجد أول إشارة لهذا الأمر في الدور الثاني من العصور الحجرية المتمثل في مجتمعات العصر الحجري الحديث عندما تعرف الناس علي عمل الفخار واستئناس الحيوان والزراعة ضمن ابتكارات أخري في مجال تصنيع الأدوات العظمية ونماذج الفنون الأخرى وتوجه مجتمعات الصيادين نحو الاستقرار بصفة عامة. ويذكر في هذا السياق ما اشتهر باسم حضارة الخرطوم القديمة التي عرفت أولا في موقع الخرطوم المبكر الذي نقب فيه آركل في الأربعينيات من القرن الماضي. وقد وصف الموقع بان كان مستوطنة شبه دائمة أقيمت علي ضفاف النهر القديم اعتمد سكانها علي صيد الأسماك والحيوانات البرية وجرش الحبوب البرية إذ لم يعرفوا الزراعة. وقد شكلوا أدواتهم المتميزة من الأحجار والعظم كما صنعوا فخار الخرطوم الشهير وهو من النوع الصلب غير المصقول، تزينه خطوط متصلة مموّجة وأخرى متقطعة مموّجة أو متعرجة. وقد أمكن تاريخ هذه الحضارة فما بعد للألف الثامن قبل الميلاد وبذا يكون فخار الخرطوم الأقدم في وادي النيل وربما أفريقيا كلها.
وقد اكتشف هذا الفخار بزخارفه المعروفة في السودان الأوسط وشمالا حتى وادي حلفا وكذلك في أماكن بعيدة من الصحراء الغربية حتى النيجر.
وفي السودان نفسه يشير توزيع مستوطنات هذه المرحلة إلي تماثل حضاري يمتد من شمال السودان حتى وسطه وقد أكانت المستوطنات التي تلت مرحلة ثقافة الخرطوم عبارة عن تجمعات سكانية كبيرة نسبيا اعتمد أصحابها في حياتهم علي زراعة الحبوب وتربية الحيوانات مثل الأغنام والماعز والأبقار إضافة إلي الموارد الطبيعية المعهودة (Arkell 1975: 15-25، Haaland 1992:43-64).
ومع انتشار هذه المستوطنات الكبيرة شبه المستقرة بالقرب من ضفاف نهر النيل في الفترة 5000-3000 ق.م تهيأت المجموعات السكانية لاحداث نقلة حضارية جديدة تتمثل في نشؤ مراكز حجما انتظمت فيما يعرف بدويلة المدنمية. كان ذلك في كرمة في منطقة النوبة العليا شمال السودان عندما تمكن الزعماء والأمراء المحليين من تأسيس حكم مستقل عن الدولة المصرية لشمال السودان. وتدلنا المكتشفات الأثرية إلي أن كرمة كانت مدينة تبلغ مساحتها نحو خمسة وعشرين هكتارا وهي مستورة بحائط ارتفاعه ثلاثين قدما. ويوجد في وسط المدينة معبد وقصر وقاعة استقبالات كبيرة وبيوت الطبقة العليا في المجتمع. كانت هذه عاصمة أول دولة سودانية (كوش) التي ازدهرت نحو 2200 ق.م وهي بالتالي أقدم مدينة معروفة لدينا في أفريقيا خارج مصر. كان مجتمع كرمة يمجد الحرب والعسكرية بحيث امتد نفذها لتسيطر علي النوبة السفلي في الشمال لبعض القوت. واستعان حكام كرمة من المصريين المقيمين في القلاع والحصون لمساعدتهم في إدارة المنطقة. وقد خلفت كرمة تراثا حضاريا غنيا في مجالات الفنون والحرف والعمارة ما يقف شاهدا علي التميز الثقافي والأصالة المحلية (شارل بونية، 1997
.
عاد المصريون واخضعوا كل بلاد النوبة نحو 1460 ق.م وازدهرت المنطقة ببناء المستوطنات والمعابد وبالنمو الاقتصادي والثقافي. نهض أمراء المنطقة مرة أخري بعد مرور مصر بفترة ضعف، وأسسوا دولة نبتا نحو 9000 ق.م حيث يبدأ تاريخ كوش الحافل في مرحلته الثانية التي تطغي فيها المؤثرات المصرية كاللغة والعمارة والفنون والدين علي الرغم من الغموض الذي يكتنف الطريقة التي تأسست بها هذه الدولة. ولقد أعاد الكوشيون للحضارة المصرية مجدها القديم عندما حكموا مصر لمدة سبعين عاما حافلة بالانجازات التي كان في مقدمتها تحقيق أول وحدة سياسية في وادي النيل. إضافة إلي توسعهم في بناء المعابد والمدن وإحياء اللغة المصرية بعد ما أصابها من تدهور في فترة الاضمحلال في نهاية الالف الثاني ق.م استمرت كوش دولة مستقلة في مرحلتها الثالثة عندما انتقلت العاصمة جنوبا إلي مدينة مروي القديمة القريبة من مدينة شندي (300 لكم شمال الخرطوم). وفي الوقت الذي ازدهرت فيه مروي وتوسعت في الأقاليم السودانية كانت مصر قد خضعت لحكم الفرس ثم البطالمة ثم اليونان والرومان.
ازدهرت الحضارة المروية (3000 قبل الميلاد إلي 350 ميلادي) وعرفت بسماتها الأصلية الممزوجة بالتيارات الثقافية الوافدة من الشمال. كان أول ما حققه حكامها المحافظة علي دولتهم ومقاومة البطالمة والرومان من بعدهم عسكريا ودبلوماسيا عندما فشلوا في صدهم بالقوة. يصعب علينا أن نحصي صفات تلك الحضارة ويكفي أن نشير إلي أهم إبداعاتها مثل الكتابة المروية التي وصفت بأنها شبه ابجدية ولها خطان أحدهما هيروغليفي وثانيهما تجريدي وكلاهما منحدران من اصول مصرية وهي أقدم لغة افريقية صريحة مكتوبة، غير سامية كما يعتقد احد علمائها البارزين (عبد الله عبد القادر محمود 1986). ومثل ما حدث في الكتابة المروية من تطور محلي نجد ابداعا آخر في صناعة الفخار الرفيع والذي لم تشهده المنطقة من قبل. و تشمل الصناعات أيضا مختلف انواع قطع الزينة الذهبية والعاجية وغيرها من الأحجار الكريمة والمواد التي جاءت عن طريق التجارة التي انتعشت في هذا العهد. وتوسع المرويون في بناء المعابد والأهرامات والقصور والقلاع والحصون والبيوت السكنية في المدن الكبيرة والمنتشرة في الأقاليم الشمالية والوسطي وأجزاء من الشرقية من البلاد. ومما لا شك فيه أن بقية الأقاليم المروية داخل السودان وبعيدا عن وادي النيل قامت فيها مستوطنات ربما كانت مبنية بمواد غير حجرية تتناسب والبيئة الملحية وممارسة الرعي والزراعة الموسمية.
استطاع المرويون أيضا أن يصنعوا الحديد في القرن السادس قبل الميلادي قبل أن تصبح المدينة عاصمة للدولة وبذلك يكونوا أول من حقق هذه الطفرة التقنية بدورها من غرب آسيا. أما في مجال الفكر والأديان فقد استمر المرويون في إتباع الأديان المصرية المعروفة وأضافوا إليها معبدات محلية أهمها ابادمال (الإله الأسد) الذي أقيمت له المعابد في أكثر من مكان وكان بالنسبة لهم إله الخلق والحرب(2) وبنهاية القرن الربع الميلادي اختفت دولة مروي من مسرح الأحداث في المنطقة تاركة وراءها من الموروث الثقافي ما يشهد علي روعة انجازاتها في دمج الإبداع المحلي بما هو وافد من شمال الوادي. وان تفاصيل امتداد دولة مروي في شرق وغرب السودان غير معروفة الآن وتنتظر الأبحاث الميدانية في المستقبل إذ وجدت آثار مروية في الجزيرة بوسط السودان وعلي النيل وقد حكمت مركزيا إقليما واسعا من مساحة السودان الحالي وكان تراثها المادي متنوعا مثلما تنوعت أقاليمها بيئيا (Adams 1977: 323-325).
لا يوجد أثر لدولة مركزية بعد تفكك مروي ماعدا نوباتيا في النوبة الشمالية وكان مركزها في بلانه وقسطل في أقصي الشمال وظلت محصورة هناك تحتفظ بموروثات الحضارة الكوشية حتى تغّير حكامها ليعتنقوا المسيحية بتأثير من مصر البيزنطية في 580م. وكان ذلك إيذانا ببداية العهد الذهبي الثاني في حضارة السودان القديم. تشير الأدلة الأثرية المتوفرة إلي أن قبول المسيحية وانتشارها أحدث تحولا ثقافيا عميقا ومؤثرا مما يعطي انطباعا بان افواجا من الناس قد دخلوا البلاد ولكن هذا لم يحدث.
لقد كانت نقلة ثقافية سريعة احداثتها اتصالات بين المبشرين وصفوة الحكام في البلدين.
ولم يكن السودان كله موحدا خلال تاريخه الوسيط حيث قامت في البداية ثلاث دويلات هي نوباتيا والمقرة في دولة واحدة عاصمتها دنقلا.
نعمت البلاد باستقرار سياسي لنحو ستمائة سنة أثمر خلالها تلاحكم الثقافات المحلية مع الديانة الجديدة الوافدة رصيدا حضاريا مميزا كانت حصيلته بارزة في الفنون الزخرفية واللوحات الملوّنة الرائعة التي تزّين المنائس وفي الانجيل المكتوب باللغة النوبية القديمة وكما نجدها أيضا في مختلف الحرف والمصنوعات التي تمس حياة الناس اليومية (Adams 1977: 246-381،Oconnor ).
تمثل المرحلة التالية المنعطف الكبير في تاريخ السودان الحديث عندما سقطت الدولة المسيحية في شمال السودان في 1323م ومن بعدها الدولة الثانية (علوة) بنهاية القرن الخامس عشر وكان ذلك نتيجة للهجرات العربية المتتالية من السودان إلي مصر. اعتنق سكان شمال السودان ووسطه الدين الإسلامي تدريجيا، وبمرور الوقت اتخذوا من العربية لغة تجمع بين فئات المجتمع المختلفة كما بدأت عمليات المصاهرة تلقي بظلالها في التركيب العرقي للسودانيين. تشير المصادر التاريخية إلي دخول العرب للسودان بأعداد قليلة منذ عهد حمير ربما عبر البحر الأحمر أو عبر سيناء جنوبا للسودان الشرقي ولكن الأعداد الكبيرة منهم تسربت من مصر بعد الفتح الإسلامي. ثم جاءت أفواج أخري من الشمال الأفريقي. وقد واجه العرب المسلمون في البداية مقاومة شرسة من الدولة المسيحية في دنقلا التي خاضت ضدهم حربا دفاعية أحيانا وهجومية أحيانا أخري. وقد عقد المسلمون معها اتفاقية سلام في 651م تحفظ حقوق الطرفين في التنقل ودفع الجزية ووقف الاعتداء المتبادل. وهكذا صارت بلاد النوبة بموجب هذه الاتفاقية (البقط) خارج دارّي الحرب والإسلام في آن. ولم يحسم الأمر لصالح المسلمين إلا بعد أن دب الوهن في عضد الدولة المسيحية لأسباب كثيرة منها الأثر العربي الذي نتج عن توغل اعداد غفيرة من المهاجرين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حيث انهارت الدولة وأسلم أخر حكامها في العام 1323م وانفتح الباب واسعا أمام العرب والمستعمرين لتأسيس الممالك والسلطنات الإسلامية (Hassan).
وقبل الحديث عن تطور تلك الأحداث السياسية وأثرها البالغ في المجتمع السوداني علينا الإشارة إلي مصادر المعلومات عن الفترة الحرجة من تاريخ السودان وذلك لأهميتها في تشكيل المناخ الفكري الذي نبعت فيه الرؤية الثقافية السائدة في السودان اليوم.
لم تحظ الفترة الإسلامية في السودان بعمل آثاري مثل غيرها من فترات التاريخ السوداني. ففي المنطقة الشمالية الأوفر حظا في هذه الدراسات لم تعنى البعثات العلمية الأجنبية إلا بعدد محدود جدا من المستوطنات الإسلامية إذ لم تكن ضمن اهتمامات العلماء الاجانب. وقد أهملت تلك الآثار من منطلق أنها حديثة ولا تفيدهم في معرفة واقع يرونه ماثلا امامهم. أما في بقية أقاليم السودان يظل العمل الاثري في مجال الآثار الإسلامية غير معروف ما عدا ما جمع من نقوش وشواهد قبور إضافة للوصف العام لقباب مدافن الفقهاء أو شيوخ الطرق الصوفية. وفيما عدا الاهتمام بوصف العمارة والآثار العثمانية في سواكن في شرق السودان ظلت آثار السلطنات الإسلامية في كردفان ودارفور بغرب السودان بعيدة عن اهتمام الباحثين (El-Zein 2000: 35-36).
وتشير الأبحاث المحدودة في شمال السودان إلي استمرار الاستيطان في المواقع المسيحية ولكن المباني تدهورت بعد ذلك ولم يجر ترميمها أو بناء مثيل لها كما توقف إنتاج الفنون المتمثل في الرسم والصناعات الخزفية والمعدنية. ويصف الرحالة الذين زاروا المنطقة في أوائل القرن التاسع عشر المنازل الطينية الشبيهة بما نجده في القرى الريفية المعاصرة. كذلك تتوفر معلومات مفيدة في ما كتبه أولئك الرحالة الأوربيين الذين زاروا السودان ووصفوا ناسه وعاداتهم وأنسابهم كما سمعوها منهم. أما الهجرات العربية فمصادرها هو ما كتبه المؤرخون العرب أمثال المقريزي وابن خلدون. ولم يكتب السودانيون أنفسهم إلا القليل، ومن أهم ما عرف من مؤلفات محلية مخطوطة ابن ضيف الله المعروفة بالطبقات التي وضعها بلغة عربية محلية في مطلع القرن التاسع عشر. وتحتوي المخطوطة معلومات مفصلة عن سيرة مشاهير الفقهاء ورجال الدين كما تعد مصدرا أوليا عن الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لفترة مملكة الفونج الإسلامية التي قامت في وسط السودان مطلع القرن السادس عشر. ويذكر في هذا السياق وثائق تمليك الأرض عند الفونج وشجرات النسب التي تؤرخ للأسر السودانية وتحدد أصولها العربية التي يراد لها دائما النقاء بمدها حتى النبي (ص) أو عمه أو احد من الصحابة. ويعتقد أن الكثير من عناقيد النسب هذه مشكوك فيها وهي تعود للقرن التاسع عشر وقليل منها إلي عهد دولة الفونج. ومن المخطوطات المهمة التي كتبت في القرن التاسع عشر مخطوطة كاتب الشونة التي يصف فيها ملوك وأحوال دولة الفونج (حسن، يوسف فضل109:1975-144). ومن جهة أخرى نجد أن تاريخ الممالك والمشيخات الإسلامية التي قامت في أقاليم السودان الأخر مثل العبدلات شمال الخرطوم وتقلي والمسبعات في إقليم كردفان ومملكة الفور في الغرب، ويستمد من نفس المصادر المشار إليها وكلها خطها أصحابها في مناخات تدعو لتأصيل النسب العربي (القرشي) وتهمل العنصر المحلي فيه. وعلي الرغم من الحديث المتكرر عن التزاوج بين العرب والسكان المحليين فان التاريخ القبلي يصر علي ذكر الأب أو الجد العربي الأول.وهكذا فان هذه المصادر لا تعطينا معلومات واضحة تفيدنا في معرفة عمليات المزج السلالي أو تعريب السكان المحليين ويبقي الحكم علي ذلك من خلال النتائج فقط. ومن أشهر مصادر التاريخ في السودان. وذلك في العقد الأول من القرن الماضي. وقد جمع مئات الوثائق الشعبية مثل عقود ملكية الأرض وأسماء الاسر والافراد، إضافة لشجرات النسب المنتشرة عند زعماء القبائل ورجال الدين وهي نوع الوثائق سالفة الذكر.
ومن هذه الوثائق وضع الأساس لتاريخ العرب في السودان حيث يذكر ما لا يقل عن مائة قبيلة بعضها يتفرع إلي أخري صغيرة ويعود نسبها إلي أصل عربي خالص. ولقد قسمت دراسة مكمايكل سكان السودان إلي نوعين من عرب وغير عرب وبالتالي شكلت إطارا لكل الدارسات التاريخية اللاحقة ويوشك ضررها أن يبلغ نفعها (MacMichael 1922).
وفيما يتعلق بوحدة أقاليم السودان فان أيا من الممالك الإسلامية آنفة الذكر لم تتمكن من بسط نفوذها علي كل أو معظم أقاليم السودان. ففي الإقليم الشمالي نجد مشيخة الكنوز ثم مملكة العبدلاب وعاصمتهم قري شمال الخرطوم وقد كانت هذه عبارة عن اتحاد فضفاض يشتمل علي عشرات المشيخات يحكمها زعماء القبائل. وفي مملكة سنار وممالك الغرب تظل السلطة السياسية محدودة في أقاليم متعارف عليها ولكن ذلك لم يبلغ التداخل السلمي أو الضم الذي ينجم عن نزاعات حربية. ومع أن نظام الحكم كان اسلاميا في ظاهره فان كثير من العادات والطقوس المحلية القديمة ما زالت تجد تعبيراتها في حياة الأمراء ومساعديهم أو عامة الشعب. وما وردنا من معلومات عن العناصر المادية لثقافات هذه الممالك يعكس هو الآخر تراثا يعود لفترات حضارية سبقت انتشار الإسلام. ومن جهة أخري فلن انتشار الإسلام وتزايد نفوذ رجال الدين الصوفية كان عاملا فاعلا مع انتشار اللغة العربية في ربط أقاليم السودان الوسطي والشمالية في وحدة اجتماعية أن لم تكن سياسية بالكامل. ونشؤ الممالك المشار إليها لم يمك في الواقع كله من عمل العرب الوافدين بل بالتعاون مع اقوام مستعربة أو سكان محليين.
فبعد أن سقطت مملكة علوة في ايدي العرب بزعامة العبدلاب (القواسمة) هاجمتهم قبائل الفونج السود الذي قضوا علي نفوذ العرب وتعاونوا معهم لاحقا في إدارة الإقليم الشمالي بعد أن اتخذوا من سنار عاصمة لهم في 1504م. ومهما كان من أمر فقد استمرت دولة الفونج نحو ثلاثمائة سنة اتسعت خلالها دائرة انتشار الإسلام والمؤثرات العربية الأخرى كما ظلت بعض أقاليم السودان الحالي بسكانها بعيدة عن هذه التيارات (OFahey and Spaulding 1974: 26-116).
سقطت دولة الفونج وعهد الممالك الإسلامية في السودان في 1821 عندما أكملت جيوش محمد علي باشا غزو البلاد وأقامت ما يعرف بالحكم المصري التركي. وكان من نتائج هذا الحكم الذي استمر ستين عاما توحيد كل أقاليم السودان الحالية وإخضاعها لحكم مركزي.
وقد وضع الحكم الجديد اسسا حديثة للإدارات المحلية كما أدخل أنظمة جديدة في إدارة الاقتصاد والمجتمع وربط أقاليم السودان ببعضها وبالعالم الخارجي.
انتهي ذلك الحكم بنجاح الثورة المهدية وهي أول ثورة تحررية في القارة الأفريقية تقوم علي فلسفة دينية تنشد توحيد كلمة المسلمين وازاحة الحكم الأجنبي وقد كتب لها النجاح في 1885م. ولم تستمر دولة المهدية الوطنية كثيرا إذ اكتسحت البلاد مرة أخرى جيوش الغزو الأجنبي التابعة للتحالف الثنائي بين حكومتي مصر وبريطانيا في 1899م.
وعاش أهل السودان تحت الإدارة الأجنبية التي دمرت مؤسساتهم التقليدية وحلمهم في الدولة المستقلة إلي أن حققوا استقلالهم رسميا مرة أخرى عام 1956م. نذكر هذا في ايجاز شديد لان موضوع هذه الورقة يتركز حول الموروث الثقافي القديم والوسيط وأثره في بناء وحدة السودان وهوية سكانه الأمر الذي نناقشه في الفقرة التالية.
حوارات الهوية:
كيف ينظر السودانيون الآن إلي ذلك التاريخ الثقافي القديم؟ وكيف يقومونه خاصة عندما يتصل الأمر بالهوية وتأصيل الهوية الوطنية؟ وفي ذلك يذهب عامة الناس وصفوتهم مذاهب شتي. فالتاريخ القديم بمعطياته الأثرية والحضارية لم يتسرب بدرجة كافية في الأدبيات المنشورة العامة أو غير المتخصصة ولا في مقررات التعليم العام.
وقطاعات كبيرة من النخب المتعلمة تراه شيئا بعيدا عن هموم حياتهم اليومية وربما لا يمت بصلة لأنسابهم المباشرة. وفي الكتابات الأكاديمية التي تتناول المجتمع والسياسة والثقافة يصادف المرء عادة رصيدا لوقائع التاريخ القديم المؤلف كأمر ضروري تفرضه منهجية البحث. ويقصد به الكاتب عادة تأصيلا تاريخيا لموضوع الدراسة دون توظيف تلك المعلومات في تطوير أطروحة فكرية ما. والأمثلة الشائعة لإيراد ملخصات للموروث الثقافي نجدها عادة في الدراسات التي تتناول هوية السودان عربية هي أم افريقية؟ أو تلك التي تنطلق من مبدأ خصوصية تكوين الثقافة السودانية والهوية الوطنية. وهناك أيضا من متناول التنوع العرقي والثقافي السوداني في إطار العلاقات الخارجية (الحاكم، احمد محمد علي 1990؛ الصديق، عبد الهادي 1997؛ الباشا، محجوب 1998). هذه أمثلة محدودة من الإصدارات الكثيرة حول هذه القضايا التي تصدرها مراكز الأبحاث والجامعات والأفراد،وذلك بصورة ملفته منذ عقد التسعينات. وهي الفترة التي اشتد فيها وعي النخب السياسية والأكاديمية بأهمية الموروث الثقافي ودوره في إيجاد حلول لمشاكل البلاد التي ظلت عالقة لامد طويل. وقبل ذلك بكثير كانت قضية الثقافة السودانية والهوية مطروحة في حوارات تركزت حول جدلية العروبة والافريقانية مع اتخاذها اشكالا ومناحي متباينة يرى احد ابرز مؤرخي العرب والإسلام في السودان أن تكوين الأمة السودانية بدأ في العصر الوسيط ويري أن السودانيين الحاليين يقلب في تكوينهم العرقي العنصر الأفريقي كما أن عمليات التزاوج والانصهار مع العرب الوافدين انتجت اجيالا من المستعمرين. ويمضي بالقول أن عروبة السودان بالمولد وباللغة والوجدان ولكن الهجين الماثل للعيان لا يجعل منهم عربا خلصا (حسن يوسف فضل 1988: 40-44). وفي مجال آخر يناقش انتشار اللغة العربية وثقافتها في وسط البلاد واضمحلال نفوذها كما ابتعدنا عن مركز الوسط حيث لا تزال اللغات الأفريقية المحلية رائجة تقاوم تيار التعريب مما يؤكد قوة الثقافة الأفريقية. ويقول “يبدو أن قلة السودانيين قد اخطأوا عن جهل حينما تطرفوا في المبالغة بانتسابهم للعرب دون سواهم ولعل في هذا التطرف من جهة التمسك بالحضارة الإسلامية العربية من جهة أخري لايجاد سند حضاري يتكئون عليه بعد أن هزم الاستعمار الانجليزي ثورتهم المهدية واغتصب بلادهم وكاد أن يحتويهم بحضارته الاوربية” (حسن يوسف فضل 1975: 21-22). مما لاشك فيه أن مثل هذا الرأي لا يبعد عن الواقع بل لا يعدم من تطوره لاتخاذ مواقف أخرى.
وعند النظر للحوارات المبكرة حول الهوية السودانية وعلاقتها بالمكون التاريخي نجد تباينا وغموضا في استخدام المصطلحات مثل “الهوية السودانية” و “القومية/الوطنية” و “الشخصية السودانية” ومن الممكن رصد ثلاث ملاحظات عن الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع الأولي هي التركيز علي الأدب السوداني العربي بخاصة الشعر العربي الفصيح والدارج ثم القصة والمقال باعتبار أنها الأوعية التي تحفظ الفكر السوداني وبالتالي تمثل المصدر الرئيسي لمعرفة خصائص الهوية وأصول الثقافة. والملاحظة الثانية أنها تؤرخ للثقافة السودانية من خلال الموروث العربي الإسلامي غير عابئة بما قبله. والملاحظة الثالثة هو أن هذه المساهمات تركزّ علي الأقاليم الشمالية والوسطي عندما يستدعي الأمر العودة للموروث الثقافي القديم وذلك نسبة لتوفر مصادر المعلومات كما ذكرنا آنفا وهي في الوقت نفسه مكان الأثر العربي الإسلامي الأكثر وضوحا.
والأطروحة الأكثر رواجا في موضوع الهوية السودانية تقوم علي مبدأ التمازج والانصهار بين القبائل العربية والسكان المحليين الذين استوعبتهم الثقافة ولا تطرح تفسيرا موضوعيا للتنوع في مستويات التعريب أو الاسلمة للمجموعات الإثنية المحلية.
يذكر الكثير من الكتاب عمليات مزج العنصر العربي مع الإفريقي وقف طريقة ميكانيكية تؤدي في النهاية إلي عنصر بيولوجي جديد يسمي “سوداني” وبعد ذلك تحدث معادلة أخرى غير واضحة تماما، تربط بين البيولوجي والثقافي. فالثقافة الجديدة هي المعادل الطبيعي للعنصر السلالي الهجين. يقول أحد أصحاب هذا الرأي :”… ومن خلال هذا التلاقح ظهر إلي الوجود مخلوق جديد هو السوداني الحديث الذي لا يشكل دما عربيا خالصا أو دما زنجيا خالصا، ولكنه يجمع بالتأكيد بين أنسجته دينك النوعين من الدماء ويجمل في دماغه نتاج الثقافة والأقوى والأكمل…” (إبراهيم، محمد المكي، 1989:12) وعن نفس عملية التمازج بين العرب الوافدين والسكان المحليين يقول آخر : “… ونتج عن كل هذا عنصر مميز في شخصيته وثقافته وانتمائه. فهو عربي اللسان والثقافة، أفريقي التقاطيع، مزيج عرقي وسط يمكن أن نطلق عليه “عربي –إفريقي” “افرو-اراب كما يقول الفرنجة” (محمد احمد عبد الغفار، 1987: 31.
وهكذا فالسحنة افريقية والثقافة عربية لان تعريف الأخيرة هنا يقتصر علي اللغة والدين ولا يتلفت إلي عناصرها الأخرى (المادية) التي ربما تحمل رواسبا من الثقافة الأفريقية المحلية.
علي الطرف الأخر، هناك من يرى وجود مجموعات عربية خالصة في الشمال والوسط وأخري افريقية خالصة، مثل ما هو الحال في جنوب البلاد لم تتأثر بالثقافة العربية ولم يحدث اختلاط بها وظلت خارج دائرة التأثير الثقافي. واستمر جنوب البلاد بصفة عامة متميزا اثنيا وثقافيا كما يرى كثيرون (Deng 2000:
ومع صحة هذا الرأي في عموميته فهناك أيضا ما يشير أي التداخل الثقافي منذ أمد بعيد كما ألمحنا لذلك عن مراجعة التاريخ القديم. وإن الحديث عن الأجناس والأعراق وربطها بالثقافة أمر في غاية التعقيد ولا يمكن تناوله بهذه البساطة. وفي حالة السودان لا يوجد حتى الآن دراسات كافية في الانثروبولوجيا الطبيعية تسمح بالخوض في ربط جنس معين بثقافة معينة وما نشر من معلومات حول هذه المسألة في شمال السودان لا يدل علي تحول مفاجئ أو كبير في الخصائص البيولوجية للتركيبة السكانية منذ العهد الكوشي وحتى ما بعد سقوط الممالك المسيحية. ومن جهة أخري اوضحت الأبحاث الآثارية والأنثروبولوجية بصفة عامة في أماكن أخري صعوبة بل ربما خطأ، ربط ثقافة ما بمجموعة عرقية إذ أن هناك حالات موثقة نجد فيها مجموعات من أصول عرقية مختلفة تشترك في نظام ثقافي واحد. ومن المناسب في هذه الحالة البحث في الثقافة من خلال عناصرها الذاتية وليس العنصر البشري الذي أنتج تلك الثقافة.
استمر الفكر العربي/ الإسلامي الاكثر وضوحا من غيره في الحركة الأدبية التي عبر المتعلمون من السودانيون من خلالها عن هويتهم وتميّزهم الثقافي. وفي الستينات من القرن المنصرم برزت حركات إقليمية وفي العاصمة القومية تعبر عن طموحات ومطالب مجموعات إثنية وقبلية تتمثل في حق الاعتراف بالاختلاف الثقافي والمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.وفي وقت وجيز تحولت إلي منظمات مسيسة تناضل من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من مدخل الاختلاف والتنوع الثقافي. ومن هؤلاء أو من يتفق معهم في الرأي برز قادة للعمليات العسكرية ضد الحكومة المركزية في الشرق وفي الغرب في السنوات القليلة الماضية. وهكذا تحوّل حوار الهوية إلي صراع مسلح يهدد الوحدة الوطنية. ومن جهة أخري ظهرت حركات تمثل تيارات فكرية مختلفة في تناولها لقضايا الثقافة والهوية الوطنية وقد عبرت هذه عن وجهات نظرها من خلال المسرح والشعر والمقال الصحفي والندوات ..الخ وعلي الرغم ن أن أعمال هذه المجموعات جاءت من منطلقات فكرية متباينة، ولم يجمعها إطار تنظيمي واحد غير أنها في جملتها تمثل بداية الأطروحة الثانية حول الثقافة السودانية.
قدم أصحاب الأطروحة الثانية موضوعاتهم وأفكارهم من خلال معالجة الأدب السوداني،تاريخه ومحتوياته واتجاهاته وأساليبه الفنية. كذلك ظهرت الآراء نفسها في دراسات نقدية للفنون التشكيلية ، تبحث في موضوعاتها والينابيع التاريخية لتعبيراتها المختلفة. وقد تميزت هذه الأعمال النقدية / الادبية بشيئين، الأول أنها ركزت علي الأصول والصفات الأفريقية والمحلية للثقافة السودانية في محاولة لجعلها ندا للثقافة العربية أو متفوقة عليها مما اوجد ثنائية ربما هي غير ضرورية في متناول موضوع شائك مثل الهوية الثقافية. والشيء الثاني أنها تطرح بقوة فكرة التنوع العرقي والثقافي في السودان وتنادي باحقية الأقليات في إبراز هوياتها الثقافية كمدخل للتمتع بحقوقها الطبيعية. وذاعت في وسائط الاعوام في ذلك الوقت مصطلحات لم يتم تحديد معانيها بدقة مثل “الغابة والصحراء” والأقليات الهامشية أو المهمشة “والأفريقيانية” ودون المساس بحقوق تلك الأقليات أو الاعتراف بوجودها، علي المرء أن يضع في الاعتبار عمليات التغير والاختلاط التي احدثتها التطورات الاقتصادية والتعليمية والإدارية الحديثة وسبل الاتصال في الفترة التي أعقبت نشر المعلومات الأولية عن الكيانات الإثثنية الصغيرة وثقافاتها. إذ ليس معروفا علي وجه اليقين ما حدث لتماسك الكيانات الصغيرة. ومن جانب آخر ، علي المرء أن يتذكر نتائج الهجرات أو النزوح الجماعي الذي تمخض عن النزاعات القبيلة وقسوة موجات الجفاف منذ سبعينات القرن الماضي.
وقد يحدث أن يلتحق بعض أفراد المجموعة الاثنية بمجموعة أخري وتندمج فيها ثم تكتسب طريقة حياتها. وليس موثقا علي وجه الدقة أيضا مدي التغيرات التي حدثت في ثقافات المجموعات النازحة من ناحية اللهجات والعادات وغيرها. وفي مثل هذه الظروف تتبدل هويات غيرها (الأمين ، يوسف مختار 2001).
عودا علي بدء:
أشرنا إلي أن قضايا الوحدة الوطنية وانتماءات السودان معقدة تتداخل فيها عوامل شتى منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإقليمي لبد أن العامل الثقافي يمثل فيها موقعا مركزيا. ومما لا شك فيه أن حوارات السودانيين حول الهوية علي ما فيها من غموض، لم تنته إلي موقف فكري يلتف حوله معظم الناس ليتخذوه منطلقا لحلول موضوعية لمشاكل البلاد العالقة منذ ما قبل الاستقلال.
وعندما حصل السودان علي استقلاله من الحكم الأجنبي رسميا في 1956م كان انضمامه لجماعة الدول العربية امرا طبيعيا لم يشكل عقبة أمام الطبقة السياسية التي قادت حركة المقاومة وشكلت الأحزاب الوطنية الفاعلة ومنظمات العمل المختلفة. كان غالبية هؤلاء القادة من طلائع الطبقة الوسطي التي نالت حظها من التعليم ونالت التدريب في دواوين الحكومة وقد كانوا اصلا ينحدرون من المجموعات السكانية ذات الأصول العربية. لقد ظلت معظم أقاليم السودان بعيدة عن التعليم الحديث لفترة طويلة بل أن بعضها ظل خارج مجريات الأحداث بفضل سياسات العزل التي فرضتها الإدارة الأجنبية. والمطلع علي التاريخ الرسمي لحركة الاستقلال يرى للوهلة الأولي توجهها العربي الإسلامي حيث كانت وثيقة الصلة بالحركة الوطنية المصرية علي سبيل المثال.
وكان خطاب حركة المقاومة للأجنبي عربيا وإسلاميا، لغته العربية كما هي وسيلته في الاتصال والإعلام، ومن خلال المقال والبيان الجماهيري والقصيدة الشعرية. نجحت القطاعات الشعبية ذات الأصول العربية في التمدد اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا كما نجحت بدرجات متفاوتة في استقطاب أو استصحاب القطاعات الأخرى من المجتمعات غير العربية. وبمرور الوقت ترسخ تيار العروبة والإسلام في شكل “ايدويولوجية” للنخب الطليعية يدعمها مكتسبات اقتصادية وإنتاج ثقافي يتمثل في الكتابات التاريخية والاجتماعية ومناهج التعليم والرسم الشعبي.
أن قبول السودان كدولة وشعب في منظومة البلاد العربية كان حصيلة أوضاع تاريخية وثقافية تعود للقرن السادس عشر كما اسلفنا، وذلك أمر له مزاياه الحسنه بطبيعة الحال كما له استحقاقاته. ومما لا خلاف عليه فان غالبية أهل السودان يدينون بالاسلام ويتحدثون العربية بالرغم من تنوعهم العرقي الواضح. فقد ساعد انضمامه في تقوية الثقافة العربية ومكنها من الدعوة لاستيعاب الجميع وذلك رغما عن التباين ألاثني والتاريخي. وبمرور الوقت أصبحت الثقافة العربية تلقائيا مجموعة من الرموز والمعتقدات الاجتماعية المتماسكة التي ينظر خلالها الفرد السوداني للواقع الاجتماعي. واستمرت هذه العملية عبر قنوات المثاقفة والتعليم كما جري أثناء ذلك تأطير المجتمع وفئاته علي تلك الأسس. ومن دون تخطيط مسبق من النخب المسيطرة، اعاق ذلك التأطير فرص الاقليات التي لا تتوافق مع النموذج السائد في مجالات التطوير الذاتي، اقتصاديا واجتماعيا. وهكذا تكون حاجز نفسي/سلطوي يقف في وجه ااي مراجعة تهدف إلي معالجات للشأن الداخلي يظن انها قد تمس جوهر الانتماء العربي الذي ترسخ تاريخيا.
وفي التسعينات من القرن المنصرم تعقدت الأزمة السودانية وامتد النزاع ذو الصبغة الثقافية إلي أقاليم أخري غير جنوب البلاد حيث دخلت فيه مجموعات قبيلة مسلمة اصولها غير عربية. ليس من السهل ارجاع تفاقم هذه الاوضاع إلي عوامل داخلية فحسب وإنما لاخري خارجية أيضا ذلك لان معطيات النظام العالمي الجديد ليست ببعيدة عن مجريات الأمور في السودان.
واليوم لا يختلف اثنان علي محورية التنوع الثقافي والاثني في السودان ولا علي وجوب البحث عن حلول جذرية لمشاكل ظلت عالقة لسنوات طويلة فأدبيات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني كلها تتفق علي جوهر هذا الأمر ولكنها تختلف في الحلول والمسالك المؤدية إليها. وان الجدل المستمر منذ سنوات صار صريحا وجريئا إذ تناول تفاصيل الأسس التي قام عليها المجتمع السوداني الحديث ولامس علاقاته الإقليمية في الوقت نفسه. فمن جهة علاقات السودان العربية انتبه البعض إلي أن الحوار الجاري الآن بين فئات المجتمع لم يشاركهم فيه الاخوة من المفكرين العرب بصورة ترقي لمستوي نسبة السودان للمنظومة العربية. فقد ترك السودان لحالة وان كانت هناك مشاركة فهي من منطلقات الأمن القومي العربي والمحافظة علي السودان باعتباره بوابة العرب إلي أفريقيا” و “معبر الثقافة العربية…” وهي شعارات يصفها الكثيرون بأنها تبشيرية ضارة بمصير العلاقات الداخلية بين اثنيات السودان المختلفة، ناهيك عن كونها تعبر عن مفاهيم قديمة غير مناسبة حتى من منطلق الحرص علي انتشار الثقافة العربية الإسلامية. فانجاز الهدف الأخير في وقتنا الحالي لا يحتاج لمعابر أو بوابات جغرافية ينتقل عبرها الأثر الثقافي. ويمضي هؤلاء إلي أن عدم مشاركة العرب الايجابية تعود إلي هامشية عاشها السودان كما أن المعطيات التاريخية والثقافية السودانية غير معروفة بدرجة كافة بدرجة كافية لأشقائه. وربما تعبر هذه الحالة عن نفسها بتلك المؤلفات التي كتبها السودانيون في موضوعات شتى وبدت وكأنها مرافعات لاثبات عروبة السودان وثقافته. ناقش محمد عمر بشير قضية خصوصية التنوع السوداني. وذكر أن السودان لم يشارك أحيانا في بعض المنظمات العربية بسبب وضعه الطرفي أو لعدم حسم مسألة العروبة فيه (بشير، محمد عمر 1991: 84-90).
ويمضي ذلك الاستقطاب داخليا مداه عندما برزت علي السطح فكرة المواطنة كأساس للتعايش ونيل الحقوق وليس الدين أو ا لعرق أو غيرهما. هذا هو المدخل المناسب لفك الارتباط بين العروبة واحتكار السلطة والثروة علي رأي بعض من يدعمون هذا الاتجاه.
وما يجري الآن من مفاوضات جريئة(3) بين كل الأطراف السودانية لا يخرج عن هذا الإطار ويبدو أن الكل يستعد لتقديم تنازلات تبدو تاريخية من أجل تأمين الوحدة الوطنية. وان وصل الحوار القائم الآن إلى غاياته المنشودة فسوف يكون للسودان وجه جديد تفرضه الظروف الموضوعية الداخلية وليس رغبات أفراد أو جهات أجنبية.
والوضع الجديد المتوقع ينطلق من مراجعة مواقف الهويات الثقافية التي صار لكل واحدة منها قراءة رسمية لتاريخها ظلت غير قابلة للمراجعة أو الاختراق لفترة طويلة.
وعلي المستوي الداخلي فان تاريخ البلاد علي النحو الذي كتب به في الغالب، ربما بسط سلطته المعنوية لمصلحة فئة من المجتمع دون أخريات لتستمد منه القوة والسلطة وتشكل من خلاله الحاضر.
لا اود أن يأخذنا بعيدا القول الشائع أن التاريخ يكتبه المنتصرون وفق ما يودون ولكن مساءلة التاريخ أمر ضروري يمليه علينا راهن الأوضاع في السودان.
أن إعادة قراءة التاريخ الثقافي بكامل عصوره لا بد أن يكون مقرونا بمشروع الأبحاث الحقلية المستمرة آنفة الذكر خاصة في تلك الأقاليم التي ليس لها تاريخ مدوّن. والمعلومات التي توفرها الآثار والمصادر التاريخية والمعلومات التي توفرها الآثار والمصادر التاريخية والتراث الشعبي هي المصدر الأساسي الذي يكشف لنا مستويات الاتصال والتأثير بين مختلف الاثنيات والأعراف في البلاد ومن ثم إبراز المشترك بينها الذي يدعم أواصر الوحدة الثقافية ويعترف بالتنوع والخصوصية في الوقت نفسه. ولتأمين هذه الأشياء لا تكفي فقط القرارات السياسية علي كل حال.
ولكن الفهم المشترك للظروف التاريخية التي تشكلت فيها الثقافة السودانية يفتح الباب واسعا أمام البناء الوطني والتماسك الاجتماعي.و ذلك من منطلق أنها احدي ركائز الشرعية التي تقوم عليها الدولة الوطنية كما ذكرنا. عندئذ قد يكون السودانيون في وضع أفضل لخلق علاقات إقليمية أكثر توازنا وفائدة لهم ولشركائهم في العالمين العربي والإفريقي من جهة، ولمصلحة نمو الثقافة العربية الإسلامية وتفاعلها مع الثقافات المحلية من جهة أخري.
المراجع والهوامش
1. إبراهيم، محمد المكي (1989)، الفكر السوداني، اصوله وتطوره الخرطوم.
2. الأمين، يوسف مختار (2001)، تحولات الهوية السودانية. العصور الجديدة 7: 82-95.
3. الباشا، محجوب (1998)، التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان. مركز الدراسات الإستراتيجية الخرطوم.
4. بشير، محمد عمر (1991): السودان بين التجمعات الإقليمية وتجمع دول حوض النيل. في: علاقات السودان الخارجية (البعد العربي والإفريقي). تحرير حامد عثمان احمد ومدني محمد احمد، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص ص 84-114.
5. الحاكم، احمد محمد علي (1990) هوية السودان الثقافية، منظور تاريخي، دار جامعة الخرطوم للنشر.
6. حسن يوسف فضل (1975) دراسات في تاريخ السودان، الجزء الأول، دار جامعة الخرطوم للنشر.
7. حسن يوسف فضل (1988) مفهوم الأمة السودانية، منظور تاريخي في، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان، تحرير العجب محمد الطريفي، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص 23-64.
8. خالد منصور 1993، النخبة السودانية وإدمان الفشل (جزءان) سجل العرب القاهرة.
9. شارل بونية (1997)، كرمة مملكة النوبة. تراث إفريقي من عهد الفراعنة، ترجمة أحمد محمد علي الحاكم دار الخرطوم للطباعة والنشر.
10. الصديق عبد الهادي (1998)، السودان والافريقانية، مركز الدراسات الإستراتيجية، الخرطوم.
11. عبد الله عبد القادر محمود 1986، اللغة المروية. مطابع الملك سعود.
12. محمد احمد عبد الغفار (1987)، السودان والوحدة في التنوع، المكتبة العربية ، برلين.
13. محمد علي عباس سيد احمد ويوسف مختار الأمين 1992، مشروع البطانة الأثري (شرق السودان) النتائج والدلالات في، دراسات في الآثار الكتاب الأول، ص ص 65-99. قسم الآثار، جامعة الملك سعود. الرياض.
14. اليازجي، حليم 1985، السودان والحركة الأدبية (جزءان). منشورات جامعة اللبنانية بيروت.
15. Adams، Y.M.1997، Nubia: Corridor to Africa، Allen London.
16. Arkell، A.J. 1975، The Prehistory of the nile Valley. Leiden.
17. Deng، F.2000، Race and Culture، Prejudice and Denial in Sudanese Society. In Sudan، Development and Culture ; 5-12. Sudanese Studies Centre. Cairo.
18. Elamin، Yousif. M.1999، Archaeology and Modern Sudanese Cultural Identity. The African Archaeological Review 16: 1-3.
19. El-Zein، Intisar. S. 2000، The Archaeology of the Early Islamic Period in the Reriod in the Republic of Sudan. Sudan and Nubbia. No.: 32-36.
20. Haaland، R. 1992، Fish Post and Grain in: the African Archaeological Review، 10:43-64 .
21. Hassan. Fekri. A. 1998، Memorabilia Materiality and National Identity