01.26.08
المقاومة الصومالية وصراع القرن الأفريقي
| 11-01-2008 |
| بعد مرور عام أو أكثر على الاحتلال الأثيوبي للصومال، فإن المقاومة الصومالية أصبحت رقْمًا هامًّا في معادلة الصراع، ليس في الصومال وحدها؛ بل في القرن الأفريقي كلِّه، وبالتالي، في مجمل الصّراع العربي الإسلامي مع الولايات المتحدة وحلفائها، إسرائيل وأثيوبيا وغيرهما. واستطاعت تلك المقاومة أن تُعيد تنظيم نفسها، وأن تشكّل جبهةً واسعةً من مختلف القوى الإسلامية والوطنية في الصومال، في القلب منها بالطبع، توجد المحاكم الإسلامية، ذات التجربة الهامّة في تحقيق الاستقرار في الصومال لأول مرة منذ عام 1991م، ولمدة عامين من 2004م إلى 2006م، وهو أمرٌ لم يكن يروق للكثيرين في المنطقة والعالم؛ لأسباب تتّصل بمحاولة الترويج لطريقةٍ واحدةٍ للحُكم، وعدم الارتياح لنظام إسلامي معتدل، حتى لو كان ذلك في الصومال، وحتى لو كان الثمن إعادةَ الفوضى -ومن ثم، القتل والتشريد والدمار- إلى ذلك البلد المظلوم. لكن في ذكرى مرور عام على احتلال الصومال، هل حققت أمريكا، عن طريق أثيوبيا، أهدافَها في الصومال؟! وما هو مستقبل المنطقة في ظل ذلك الصّراع؟ وهل تُكرِّر المقاومة الصومالية النموذجَ الأفغانيّ للمقاومة؟ وهل تصبح الصومال أحد محطات الانتصار الإسلامي على الاستعمار الأمريكي؟ هذه وغيرها، أسئلةٌ يجب الاقتراب منها، في محاولة لرسم تصورات صحيحة، ومن ثم امتلاك الوعي والمنهج الصحيحين لإدارة الصراع. بدايةً.. فإن جمهورية الصومال، هي دولة عربية إسلامية، يبلغ عدد سكانها حوالي 10 مليون نسمة، كلُّهم من المسلمين السُّنة، على المذهب الشافعيّ. ومن ثم، فلا مشاكل دينية هناك، أو طائفية، بل هناك توحُّد على الدين والمذهب، وهو أمر هام جدًا، بالنظر إلى وجود مشاكل طائفية أو عرقية، تعرقل المقاومة إلى حدّ ما، في العراق ولبنان وأفغانستان، مثلاً. وتبلغ مساحة الصومال 650.000كم². وتمتلك الصومال أكبر وأطول ساحل على المحيط الهندي والبحر الأحمر، في حين لا تمتلك أثيوبيا أيَّ منافذَ بحريةٍ، ومن ثم، فإن الاهتمام الأمريكي والغربي بالصومال في إطار نشر النفوذ في القرن الأفريقي أمرٌ مفهوم، وقد اعترف باحثون أمريكيون، منهم جوناثان هاو، في مجلة النيوزويك عام 1995م، بوجود مشروع أمريكي في الصومال على غرار المشروع الأمريكي في العراق، بل إن الولايات المتحدة حاولت بالفعل، إدخال قواتها إلى الصومال عام 1993م، في إطار قرار من الأمم المتحدة، ولكنْ تصدّى الصوماليون لتلك القوات، وقُتل وسُحل عددٌ من الجنود في الشوارع الصومالية، وهو ما أدى إلى الانسحاب الأمريكي في 31/ 1/ 1994م، ومن ثم بحثت أمريكا عن وكيلٍ يقوم لها بهذا الدور، ووجدت أثيوبيا صالحةً لهذا الأمر، حيث هناك عداءٌ تاريخيّ بين أثيوبيا والصومال من ناحية، وصراعات إقليمية أخرى، جعلت أثيوبيا تبحث عن تحالف مع الولايات المتحدة؛ لترجيح كفتها في الصراعات. الحقائق التاريخية المعروفة، أنّ هناك عداءً غربيًّا صليبيًّا للصومال؛ ففي عام 1515م استنجد الأحباش بالدول الأوروبية؛ بسبب انتصار المسلمين الصوماليين عليهم، وتدخلت البرتغال بالفعل، ووصلت إلى ساحل الصومال في ذلك العام (1515م). إن هناك نوعًا من النفوذ والتحالف التقليدي بين إسرائيل وأثيوبيا على حساب مصر والسودان والصومال طبعًا، ومن ثم الأمن العربي والإسلامي. ولذا فإن تفكيك الصومال وعدم استقراره هدفٌ أثيوبي ثابت، وكذا أصبح هدفًا إسرائيليًّا أمريكيًّا؛ لأن وَحدة الصومال واستقرارَه تعني المطالبة بأراضي “أوجادوين” التي تسيطر عليها أثيوبيا، وكذلك عدد من المناطق الأخرى التي تسيطر عليها دول أخرى، بل إن استقرار الصومال، ربما يعني تفكيك أثيوبيا ذاتها؛ حيث إن هناك حركات دينية وطائفية وعرقية أثيوبية، -ليس في أوجادين وحدها- يمكنها أن تحصل على دعم صومالي في هذا الصدد. وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وفي بحثها عن مناطق نفوذ أفريقية، فإنها لا تريد لمصر ولا للسودان ولا للصومال أيَّ نوع من الاستقرار، وقد ظهر عامل آخر في الصومال، هو نجاح المحاكم الإسلامية في تحقيق الأمن، ووقف الفوضى، وتحقيق نوع من التنمية والاستقرار، وتوحيد الصومال، في إطار نظام حكم إسلامي. وهذا يعطي نموذجًا محكَمًا، غير النموذج الديمقراطي، الذي تروّج له إدارة بوش تحديدًا، ومن ثم فإن القضاء على المحاكم الإسلامية كان هدفًا أمريكيًّا معروفًا. بعد مرور عام على الاحتلال، فإن النظرة الأولية للأوضاع في الصومال تقول: إن ما حققته المحاكم الإسلامية من نمو واستقرار ووَحدة، تحوَّل بفعل الاحتلال، إلى خراب ودمار. ووفقًا لمصادر الأمم المتحدة ومنظمة “إلن” الحقوقية الصومالية، فإنّ هناك 14 ألف قتيل صومالي مدني، و 1.5 مليون مشرد. وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد اتهمت القوات الأثيوبية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الصومال. وفي المقابل نجد أن المقاومة الصومالية قد تصاعدت، ومن المتوقع أن تزداد قوتهُا في المستقبل القريب، فقد استطاعت تلك المقاومة، ووفقًا لمصادر محايدة، أو حتى أمريكية وأوروبية، أن تنفذ 241 هجومًا ضد القوات الأثيوبية والحكومية، حتى اللحظة، و6 عمليات استشهادية. وأن قوات المحاكم الإسلامية تحصل على سلاحها عن طريق العدو ذاته؛ حيث تهاجم مراكز الجيش والشرطة، وتستولي على السلاح الموجود فيها. وتقدر المصادر الحكومية الصومالية خسائرها بحوالي 1409 قتلى، وحوالي 3278 جريحًا، في غضون عام. في حين أن تلك المصادر تقدر الخسائر الأثيوبية بحوالي 3059 قتيلاً، وحوالي 7492 جريحًا. ووفقًا للمصادر أيضًا، فإن المقاومة الصومالية، أحرزت نجاحًا في دخول الحرب المكشوفة والمباشرة مع العدو، أكثر من مرة، بمساعدة القبائل والأهالي، وتوسيع المدى الجغرافي للمعارك إلى 7 محافظات في جنوب الصومال، والسيطرة أحيانًا على بعض المدن أو القرى مؤقتًا ولمدة غير قليلة (أيامًا، وأحيانًا أسابيع)، ثم الانسحاب منها، مع المحافظة على أسلوب حرب العصابات. ماذا لو نجحت المقاومة الصومالية؟.. سؤالٌ يتردد في أروقة مراكز الأبحاث الغربية، خوفًا من تحوّل الصومال إلى قاعدة إسلامية للمقاومة ضد أمريكا في المنطقة، أو تشكيل تحالف عربي إسلامي إفريقي ينهي النفوذ الأمريكي والغربي في القرن الأفريقي، ويهدد النفوذ الإسرائيلي في أثيوبيا، بل ويمثل تهديدًا حقيقيًّا لأثيوبيا؛ لأن هزيمة أثيوبيا ستكون بداية لظهور قلاقل عرقية وطائفية في أثيوبيا ذاتها، ناهيك عن عودة إقليم “أوجادين” إلى الصومال. |