02.17.08
التعـددية الثـقافية في عـصر العـولمة
التعـددية الثـقافية في عـصر العـولمة (1)
التعـددية الثـقافية في الغـرب
دراسة نقدية(*)
صلاح الحداد
(1)
الفهرس
1. ماهية التعددية الثقافية
1.1 خلفية تاريخية موجزة
1.2 التعددية الثقافية: المصطلح والنظرية
1.3 نقد التعددية الثقافية: القوة والديمقراطية
1.4 مقاربة التعددية الثقافية: نحو ديمقراطية حقيقية
* * *
“الجميع يعلم ما فعله كولومبس سنة 1492 ، لكن ليس كل واحد يتذكر ما فعله سنة 1493″
(Helgerson, 1992:27).
1. ما هي التعددية الثقافية (Multiculturalism)؟
1.1 خلفية تاريخية موجزة: يبدو من الصعب على مدى التاريخ الإنساني أن تجد مجتمعات بشرية لم يكن التنوع الثقافي فيها معلما رئيسا. هذه الحقيقة غدت اليوم أكثر وضوحا في عصر العولمة، بحيث صار من المستحيل لأي كان تجاهلها، ناهيك عن إنكارها. وأيا كان الأمر، فإنني أعتقد أن الجواب عن السؤال التالي، سيساعدنا على فهم كامل لِما يعنيه هذا المصطلح المعاصر”Multiculturalism”، وما هي سياسته واستراتيجيته. والسؤال هو: كيف تعامل الغرب الاستعماري مع التنوع الثقافي منذ سنة 1492؟ . بمعنى آخر ، ما نوع جملة المواقف والسياسات التي اتبعت ونفذت بواسطة الغرب الاستعماري ، كرد على هذه الظاهرة ؟ . بالطبع ، فإن الجواب عن هذا السؤال يقتضي مني مراجعة -ولو مختصرة- لتاريخ هذه السياسات والمواقف ، التي تبنيت ونفذت من قبل الاستعمار الغربي . وبلا أدنى شك ، فإنني أعتقد أنه من دون فهم كامل لتاريخ الاستعمار الغربي ، فليس ثمة من طريق آخر يمكننا من فهم ملائم لكيفية عمله اليوم ، ناهيك عن بناء خطة أو استراتيجية لمواجهته .
أنماط الاستبعاد
(1) سياسة الإبادة الجماعية (من القرن 15 إلى القرن الثامن عشر) : أول رد ملحوظ على التنوع الثقافي كان التاريخ البشري قد شهده ، هو ثقافة الإبادة الجماعية ضد سكان أمريكا الأصليين. كانت هذه واحدة من أكثر حملات الإبادة الجماعية قساوة ووحشية في التاريخ. وقد بدأت أول ما بدأت كأي إبادة جماعية، يُعامل فيها الضحايا على أساس أنهم أحطّ من منزلة البشر . وهذا النمط يمكن أن يعرف كنظام يهدف إلى هدم تقاليد المجموعات العرقية بشكل كامل أو جزئي ، عبر العديد من الأسباب . بالطبع ، فهناك العديد من المظاهر التي صاحبت الإبادة الجماعية ، التي نفذت في أمريكا الشمالية ضد السكان المحليين بواسطة المستوطنين الجدد . لقد تضمنت قائمة سياسة الإبادة الجماعية في أمريكا أنواعا عدة ؛ منها : إعدامات واسعة ، تطهير عرقي ، مذابح عسكرية ، تهجير قسري ، حجز. (Kivisto, 2002: 51 & Kymlicka, 1995: 22) .
وقد استمرت عمليات الإبادة هذه حتى مُسح السكان الإصليون من على وجه القارة تقريبا ، ومسحت معهم الكثير من لغاتهم وثقافتهم ودياناتهم . فعلى سبيل المثال ، “فإن مناطق آهلة كانت قد خسرت 90 في المائة من نسبة قاطنيها الأصليين”(Mann, 2005:76) . تاريخيا ، فإن هنالك الكثير من العوامل ، التي أدت إلى اقتراف مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية . بيد أن أهمها هو أيديولوجية الاستعلاء الحضاري أو العرقي . كانت المسيحية على سبيل المثال ، تدّعي “لقرون طويلة أنها تمثل سلطة السماء” (Mohawk, 1992:441) . لذلك “فإن عقيدة الحق الأوحد والتسامي الأخلاقي والحضاري ، كانت بدورها قد ألهمت وبرّرت الكثير من الحملات التبشيرية والاستعمارية ، التي سيقت إلى أولئك الذين يقبعون في الظلام الدامس . (Smith, 1996:194) .
وفي حقيقة الأمر ، فإن المستوطنين الجدد (الأوروبيين) ، كانوا قد بدأوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ذوو منزلة حضارية عليا ، تخوّلهم مسؤولية حمل الحضارة إلى من هم أقل منزلة . وعندئذ ، شطرت نظرةُ العالم الاستعماري الحقيقة إلى ضدين : الخير الشر ، الجسد والروح ، الإنسان والطبيعة ، أوروبيين وبدائيين .
(2) سياسة الانصهار (من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين) : مع بداية نزوح أسراب هائلة من المهاجرين الجدد خلال بدايات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ، بدأت المخاوف في الولايات المتحدة تتصاعد من هؤلاء الذين ينعتون بـ”الآخرين” . وكانت الخطة التي اتبعت في التعامل مع هذه الأزمة ، هي خطة سياسة الانصهار التي نفذت “لتبرر حملات الأمركة … هذه الحملات كانت تنوي الانقضاض على أي أثر لثقافة القادمين الجدد (Kivisto, 2002:46) .
كل الثقافات صهرت في الشخصية الأمريكية ؛ أي في مجرى الثقافة الرئيس . وهذا المجرى الرئيس كان في الحقيقة مجرد ثقافة إنجليزية استعمارية قديمة بالدرجة الأولى . أما عن المهاجرين الذين قاوموا سياسة الانصهار هذه ، فقد عُدّوا غير أسوياء . الأيرلنديون ، على سبيل المثال ، كان يُنظر إليهم باعتبارهم “زنوجا من البيض” (Ibid:46) .
(3) سياسة الاستيعاب والتعدد الثقافي (منتصف القرن العشرين إلى بداية القرن الواحد والعشرين) : في الستينيات من القرن المنصرم، تصاعدت وتيرة تظاهرات السود بشأن استبعادهم من المجتمع الأمريكي. ولمواجهة هذا التمرد اتخذت خطوات عاجلة لامتصاصهم مرة أخرى في سيل الثقافة الرئيس، وذلك من خلال سياسات الاندماج في المدارس على سبيل المثال. ومن هنا طرحت سياسة الاستيعاب (1) كـ”عملية تستهدف الأشخاص من ذوي الأصول العرقية المختلفة ، للتفاعل مع المجتمع الكبير … لقد كانت عملية من اتجاه واحد ، تقوم المجموعات العرقية من خلالها بالتخلي عن هويتها الأصلية ، في مقابل تشرّب قيم الثقافة المهيمنة السائدة في المجتمع المضيف . (Bennett, 1986:36)
مع نهاية السبعينيات أو لنقل بداية الثمانينيات ، غدا واضحا لذوي السلطة أن سياسة الاستيعاب فشلت فشلا ذريعا ، بطريقة أو بأخرى . (Kivisto, 2002: 30 & Bennett, 1986:37) فقد أظهرت الثقافة السوداء ، التي كانت حقل تجارب استحالةَ الامتصاص . ومن المثير للدهشة “أنه لم يكن مهما ذلكم القدر الذي حاوله السود في تشرب الثقافة الأمريكية ، فقد بقوا رغم ذلك مهمشين على أساس لون بشرتهم (Kincheloe & Steinberg, 2002: 4) . وسريعا ما حلت سياسة التعدد الثقافي كبديل محل سياسة الاستيعاب. فقد عرّفتBennett (1986) هذه السياسة الجديدة كـ” عملية تسوية ، تمت على أساس من الاحترام والتقدير المتبادل بين المجموعات العرقية المختلفة … فقد سُمح لأعضاء هذه المجموعات المختلفة بالاحتفاظ بالكثير من ممارساتهم الثقافية ، طالما بقيت هذه الأخيرة لا تمثل تهديدا لوحدة المجتمع ككل (p. 37).
(4) سياسة التعددية الثقافية (من بداية القرن الواحد والعشرين حتى الآن) : ظلت سياسة الإجماع على نجاة المجتمع ككل في خطر . وبمعنى آخر ، فإن السياسة التي مفادها أنه ليس هنالك من أهداف أو قيم مشتركة تستطيع توحيد الأقليات غير أهداف أو قيم الإجماع ، التي هي بالأساس في يد الثقافة المهيمنة كانت قد أخذت تترنح . ويجدر التذكير بأن الحديث عن أي شكل من أشكال الاستقلال الذاتي الحقيقي ، بقي خارج نطاق السؤال . وأمام هذا الضغط المتنامي ، الذي ربما يؤدي إلى انفجار المجموعات العرقية داخل المجتمع ، اقترحت خطة جديدة ، أطلق عليها اسم “”Multiculturalism .
وعلى ضوء ما تم استعراضه حتى الآن ، فإنه يمكنني تلخيص أهم معالم التعددية الثقافية ، رغم اختلاف الأسماء وتنوع المصطلحات –على مدى مسيرتها التاريخية- على هذا النحو :
(1) التعددية الثقافية كأطروحة سياسية غربية ليست ظاهرة جديدة ، بل إنها متجذرة عميقا في التاريخ الامبريالي الاستعماري الغربي ، تتغير وتتقلب حسب الظروف المجتمعية والسياسية من حالة إلى أخرى ؛ مُحاولة في هذا كله الحفاظَ على مفاتيح السيطرة في العالم بوجه عام ، وعلى قوى التحكم في المجتمع بوجه خاص .
(2) مثل هذه السياسة ، تفترض دائما أن البيض ليسوا هوية أو مجموعة عرقية ، وهذا الافتراض مرتبط ضمنيا باستعلاء ثقافة البيض . الجنس البشري وعلاقاته ، على سبيل المثال ، (كأيديولوجية قائمة على نوعية الدم ولون البشرة..إلخ) ، لا يزال “عاملا مركزيا في تركبية الهوية الغربية” (Furedi, 1998:1) . (3) ظهرت التعددية الثقافية المعاصرة ، كرد لا مفر منه على تصاعد أعداد المهاجرين واللاجئين في المجتمع الغربي . بمعنى آخر ، “فإن الغربيين كانوا قد وصلوا إلى نتيجة مفادها: ارغب فيها أو لا ، فإنك تعيش في مجتمعات متعددة الثقافات” (Kincheloe & Steinberg, 2002: 2)
ملحوظة : لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة إلا بإذن من الكاتب ، وإلا ستعد قرصنة .
إلى اللقاء ..
التعـددية الثـقافية في عـصر العـولمة (2)
التعـددية الثـقافية في الغـرب
دراسة نقدية(*)
صلاح الحداد
(2)
1.2 التعـددية الثقافية : المصطلح والنظرية : عندما ننظر في مصطلح التعددية الثقافية ، وفي معناه الأساسي ونسبيته الطبيعية المحايدة ، فإننا نجده يشير إلى مجتمع يحتوي على عدد من المجموعات الثقافية . لكن عندما نعرّف مثلا مجموعة ثقافية ما ، استنادا إلى العرق ، أو الجنس أو الدين أو اللغة ، كيف يمكننا الجواب عن السؤال التالي : هل تعني التعددية الثقافية ببساطة التعايش (سلميا أو خلافه) بين المجموعات الثقافية الصغيرة في ظل الثقافة الأكبر؟ . وللجواب عن هذا السؤال ، أو على الأقل معرفة أين تدور رحى معركة التعددية الثقافية ، فإنه من المفيد معرفة ما تعنيه “الثقافة” في مصطلح “التعددية الثقافية” . فالثقافة يمكن أن تفهم على أساس أنها طريقة أو أسلوب الحياة ، الذي يشمل الأفكار والمواقف واللغات والاعتقادات والممارسات والمؤسسات ونظم القوة (Billington et al, 1991: 2- 9) . يفتح مثل هذا التعريف الواسع للثقافة الطريق لسؤال هو: ما هي “الثقافة” وأين حدودها ؟ . ثم ينجر الحبل لأسئلة ذات علاقة بالسؤال الأول ؛ هي: من يؤسس المجتمع ، أو على أي ثقافة يُبنى ؟. وما الذي يحدد ثقافة بعينها ، وما الذي يفرقها أو يربطها بالثقافات الأخرى ؟. ماذا عن الثقافات الصغرى ضمن الثقافة الأكبر؟. ثم أي أسلوب حياة وأي ممارسة ثقافية يمكنهما أن يؤسسا لثقافة متميزة ؛ صغيرة كانت أم كبيرة ، بخاصة إذا ما وافقنا على أن التعددية الثقافية ، يمكن لها أن تُحدث تعايشا سلميا بين المجتمعات والأمم ؟. أو بشكل أدق ، وكما أورد Eller (1997) “أيُّ مجموعة ثقافية يكون لها حق الاستحواذ على القوة ؛ لتعمل من ثم على صياغة المجتمع وإعادة تشكيله في ميادين مهمة كالتعليم ، والفنون ، والحكومة ومؤسساتها بشكل عام؟”(p. 251).
لعل الأمر الذي بات واضحا حين النظر في مثل هذه الأسئلة الحرجة ، هو أن معركة التعددية الثقافية يمكن أن يدور رحاها هنا . وكما لاحظ Goldberg (1994) ، فإن التعددية الثقافية “تدل ضمنيا على منافسة ضارية حول الاستحواذ على القوة ، وعلى من يحشدها ويمارسها . إنها منافسة ضارية حول من يجني تأثيراتها ونفوذ مؤسساتها الضاربة” (p. 30) .
صراع المصطلحات: التعـددية الثقافية في مقابل التفاعـلية الثقافية(1)
سؤال آخر بحاجة إلى أن يطرح هنا : هل هناك من اختلاف بين مصطلحي “التعددية الثقافية” و”التفاعلية الثقافية” ؟. أعتقد نظريا ـ وكما سأبين لاحقا ـ أنه ليس ثمة من اختلاف جوهري بين المصطلحين ، إنما الاختلاف الوحيد يمكن أن يكمن في فعل “inter” ، الذي يعكس ‘interaction’ ؛ أي التفاعل بين الثقافات المشاركة ، بدلا من معنى “التعدد” ، الذي يوحيه المصطلح الأول . ومهما يكن من أمر ، فإن ما يدل عليه مصطلح التفاعلية الثقافية ـ على حسب رأي أحد المتخصصين ـ هو التفاعل بين الثقافة المهيمنة وبين الأقليات العرقية في المجتمع ، الأمر الذي “يؤدي إلى عكس قضايا مثل كيف تتوزع القوة في المجتمع ، وكيف يُصنع القرار فيه ويُنظم (Farrell & Watt, 2001:26) .
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل هذا كل شيء ؟. بمعنى آخر كيف يمكن للضعيف أن يتفاعل مع القوي ؟ . الجواب الحاضر لدى القوى المهيمنة هو بالطبع : الاحتفال بالتنوع الثقافي ! . لكن مثل هذه الاحتفالات والتظاهرات الموسمية على أهميتها ، لا يمكنها أن تلبي وحدَها حاجات المجتمع المتنوع ثقافيا ، إنما الذي يلبي حاجات هذه المجتمعات في رأيي هو أولا : الاعتراف الرسمي بالتنوع الثقافي في المجتمع دستوريا وقانونيا ومؤسسيا ، ثم ثانيا : وجود آلية فاعلة لتقاسم القوى والنفوذ بين المجموعات الثقافية سوية . لكن لسوء الحظ ، فإنه لجملة من الأسباب المعقدة تاريخيا وسياسيا ، نجد أن كلا المصطلحين دائما ما يربطا أساسا بالمجموعات العرقية والإثنية . خذ على سبيل المثال التعددية الثقافية ، التي غالبا ما تستخدم في الغرب وبالأخص في مجال التعليم ؛ لتدل على “أجناس وأعراق عديدة أخرى ” ، وفي بعض الأوقات تستخدم كمرادف لتعريق “غير البيض” . في هذا السياق ، فإنني أجد نفسي متفقا مع Rex (1996) ، الذي قال “إن التعددية الثقافية غالبا ما تستخدم كقناع ، تتخفّى وراءه قيم عدم المساواة ومشاريع الأحياء المنعزلة ، أو تعني وَسْم المجموعات البشرية بالأقليات ؛ كي يُتمكن من السيطرة عليها والتلاعب بها ، أو إخضاعها للمعاملة غير العادلة” (p. 243) .
إذن ، فإن استخدام مثل هذه الاستعمالات لمصطلحات كـ”التعدد الإثني” ، و”التعدد العرقي” ، و “التعدد الثقافي” ؛ لتشير إلى الشعوب الملونة فقط ، يمكن أن يعزّز المفهوم العنصري ، الذي ينطوي على أن العنصر الأبيض ، أو الأوروأمريكيين ذوو هوية طبيعية فطرية ، وليسوا عنصرا مركبا تركيبا اجتماعيا . بطريق أو بآخر ، فإن تبني هذا المفهوم “يجعلنا (نحن المهمشين) نمنح البيضَ حقّ أن تكون ثقافتهم معيارا ومقياسا ، نقيس ونحدد به الثقافات الأخرى”(Mclaren, 1994:59) . وإذا ما أردنا الذهاب أبعد من هذا ، فإنه يمكنني أن أستشهد بما لاحظه كل من Kincheloe و Steinberg (2002) ، وهو أن”العنصر الأبيض يُقدّم نفسه ليس كقوة ثقافية ، أو كنموذج ومعيار ثقافي يُوزن عليه الأخرون وحسب ، بل يضع نفسه في موقع يتوارى خلف الثقافة والتاريخ ؛ أي لا يتموضع في حيز الأعراق وخانة الإثنيات” (P.30) .
علاوة على هذا وذاك ، فإن ما يبدو جديا هو أن كل أقلية يجب عليها أن تصب مساهمتها في المركز ، الذي تستحوذ عليه القوى المهيمنة ، لكن ليس مسموحا لها في ذات الوقت أن تدور في محيط هذا المركز ، فضلا عن أن يكون لها نصيب في القوى التي تتحكم في المجتمع ، بحيث تخوّل المهمشين تعريفَ هويتهم وتحديد رؤيتهم للواقع ، بدلا من هز الرأس بالموافقة على الخطط ، التي تفرض عليهم من علٍ . إن تصورا كهذا التصور لا يعترف بالأوضاع غير العادلة في المجتمع ، ناهيك عن وضع خطط واستراتيجيات لتحديها ، يظل تصورا غامضا ينطوي على تقييم سلبي ، يتدفق من سلوك الثقافة المهيمنة وقصدها تجاه الثقافات المهمشة . إنه لمن المؤسف حقا أن تتحول التعددية الثقافية في الخطاب الأوروبي المعاصر ، وكما أشار Gundara (2000) إلى مجرد سياسة يتم فيها “تسليط الضوء على حضور غير الأوروبيين (الأخرين) في المجتمع ليس إلا” (p.119).
بعد كل هذا ، فإن ما بدا لي جليا هو أن مفهوم التعددية الثقافية نفسه مجرد استراتيجية ، صُمِّم لإنقاذ الثقافة الغربية كفكرة حضارية متفوقة ، وكنظام رأسمالي للسيطرة الاجتماعية . بمعنى آخر ، فإن التعددية الثقافية في عصر العولمة ، ليست إلا ديكورا مزركشا هدفه العمل على جذب المستهلكين (المهمشين) ، وما الذي يستهلكه المستهلك في سوق العولمة ؟ . صور ومهرجانات ! . كل أقلية عرقية سُمح لها الآن بقليل من رد الاعتبار لهويتها . فعلى سبيل المثال ، يجب أن تعامل كل أقلية اليوم ببعض من الكرامة في المنهاج الدراسي وبرامج التلفاز ، هذا بعد أن أضحت الثقافة المهيمنة تثمن على استحياء التنوع الثقافي ، وتشعر إلى جانب ذلك بقليل من الحنين المباح إلى تقاليد الشعوب الملونة . لكنهم في قلب هذه المعمعة ، يبقون في صُلب مناهجهم الدراسية الرئيسة تلك العقلانية الأوروبية المتفوقة ، وتلكم العلوم والاختراعات والانتصارات والفتوحات الباهرة ، التي تمت على أيديهم وحدَهم دون غيرهم . ومرة أخرى نعود إلى كل من Kincheloe و Steinberg (2002) حيث يقولا إنه “من الممكن أن يًضمّن الليبراليون المؤمنون بالتعددية الثقافية الثقافاتِ المهمشةَ في المناهج الدراسية ، لكنهم في المقابل لا يقومون باختبار ثقافة البيض نقدا وفحصا . وفي نفس الاتجاه ، من الممكن لهم أن يشيروا إلى الشعوب الملونة كإثنيات وأعراق ، لكنهم لا يقومون بالعمل ذاته تجاه الشعوب البيضاء ، التي لا تخضع هويتها وطريقة حياتها لهذا التصنيف” (p. 30) .